ابن عربي

379

مجموعه رسائل ابن عربي

وطائفة : من المنزهة - وهي العالية ، وهم أصحابنا - : فرغوا قلوبهم من الفكر والنظر وأخلوها ، إذا كان المتقدمون من الطوائف المتقدمة المتأولة أهل فكر ونظر وبحث . قامت هذه الطائفة المباركة الموفقة - والكل موفقون بحمد اللّه تعالى - وقالت : حصل في نفوسنا تعظيم الحق جلّ جلاله ، بحيث لا نقدر أن نصل إلى معرفة ما جاءنا من عنده بدقيق فكر ونظر ، فأشبهت في هذا العقد : المحدثين السالمة عقائدهم ، حيث لم ينظروا ولا أولوا ، ولا صرفوا ، بل قالوا : ما فهمنا ، فقال أصحابنا بقولهم ، ثم انتقلوا عن مرتبة هؤلاء بأن قالوا : لنا أن نسلك طريقا أخرى في فهم هذه الكلمات ، وذلك بأن نفرغ قلوبنا من النظر الفكري ، ونجلس مع الحق تعالى بالذكر على بسائط الأدب والمراقبة والحضور ، والتهيؤ لقبول ما يرد علينا منه تعالى ، حتى يكون الحق تعالى يتولى تعليمنا على الكشف والتحقيق ، لما سمعته يقول : وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ ويقول : إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً فعندما توجهت قلوبهم وهمتهم إلى اللّه تعالى ، ولجأت إليه ، وألقت عنها ما استمسك به الغير ، من دعوى البحث والنظر ، ونتائج العقول ، كانت عقولهم سليمة ، وقلوبهم مطهرة فارغة « * » ، فعندما كان منهم هذا الاستعداد ، تجلى لهم الحق عيانا ، فأطلعتهم تلك المشاهدة على معاني هذه الأخبار والكلمات دفعة واحدة ، وهذا ضرب من ضروب المكاشفة ، فإنهم إذا عاينوا بعيون القلب من نزهه العلماء المتقدم ذكرهم بالإدراك الفكري ، لم يصح لهم عند أهل الكشف والمعاينة أن يجهلوا خبرا من هذه الأخبار التي توهم ، ولا يبقوا ذلك الخبر منسحبا على ما فيه من الاحتمالات النزيهة من غير تعيين ، بل يعرفون الكلمة والمعنى النزيه ، الذي سيقت له ، فيقصروها على ما أريدت له ، وإن جاء في خبر آخر ذلك اللفظ عينه ، فله وجه آخر من تلك الوجوه المقدسة معين : عند أهل المشاهدة . هذا حال طائفة منا . طائفة أخرى - منا أيضا - ليس لهم هذا التجلي ، ولكن لهم الإلقاء والإلهام والخطاب والكتابة ، وهم معصومون فيما يلقى إليهم بعلامة عندهم ، لا يعرفها

--> ( * ) من الذي ذكره كله .